الفيض الكاشاني
32
منهاج النجاه فى بيان العلم الواجب على كل مسلم ومسلمه
وعاداته وسجاياه ، وسياسته لأصناف الخلق ، وهدايته إلى ضبطهم والتأليف بينهم ، وقوده إياهم إلى طاعته ، مع ما يحكى من عجائب أجوبته في مضائق الأسئلة ، وبدائع تدبيراته في مصالح الخلق ، ومحاسن إشاراته في تفصيل مسائل الشرع ، الذي يعجز الفقهاء والفضلاء عن إدراك دقائقه في طول أعمارهم ، لم يبق له ريب ولا شك في أن ذلك لم يكن مكتسبا بحيلة تقوم بها القوة البشرية ، بل لا يتصور ذلك إلا بالاستمداد من تأييد سماوي ، بل كانت شمائله وأحواله شواهد قاطعة على صدقه ، حتى أن العربي القح كان يراه فيقول : واللّه ما هذا وجه كذاب ، فكان يشهد له بالصدق بمجرد شمائله ، فكيف بمن يشاهد أخلاقه ، ويمارسه في جميع مصادره وموارده ؟ ! وقد آتاه اللّه جميع ذلك وهو لم يمارس العلم ولم يطالع الكتب ، ولم يسافر قط في طلب العلم ، ولم يزل بين أظهر الجهال من الأعراب يتيما ضعيفا مستضعفا ، فمن أين حصل له ما حصل من محاسن الأخلاق والآداب ، ومعرفة مصالح الفقه - مثلا فقط - دون غيره من العلوم ، فضلا عن معرفته باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، وغير ذلك من خواص النبوة ، لولا صريح الوحي ، ومن أين لبشر الاستقلال بذلك ، فلو لم يكن له إلا هذه الأمور لكان فيه كفاية . وقد ظهر من معجزاته وآياته ما لا يستريب فيه محصل ، كانشقاق القمر ، وينبوع الماء من بين أصابعه ، وإطعام الكثير من طعام قليل ، وغير ذلك مما لا يحصى كثرة . القرآن الكريم ومنها القرآن العزيز ، الباقي إلى آخر الدهر ، الذي تحدى به بلغاء الخلق وفصحاء العرب . وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله ، أو بعشر